جيرار جهامي

مقدمة 15

موسوعة مصطلحات ابن رشد الفيلسوف

عرف ابن رشد كيف ينطلق من معطيات الفكر اليوناني والمشّائي ويتجاوزها في آن معقولة ومصاغة بذهنية الفيلسوف العربي المسلم ، حتى بتنا مع الباحثين نفتّش عن نظرياته الخاصة في صلب شروحاته ومختصراته . فالعقل الرشدي أثبت أنه كان ضنينا على استقلاليته بموضوعية العالم وحرية الفيلسوف الناقد . فإذا ما شعر أنه مقيّد بنص أو بعقيدة ، إستعاد حرّيته المبدعة عند تأويله أو شرحه لمختلف معانيهما . وها هو يكرّس نزعة الاختلاف ، وله حق الاختلاف ، عند إبرازه مثلا هوية اللسان العربي المتميّزة عن اللسان اليوناني في الاسم والفعل وصيغة الزمان . لكنه لم يدع لنقض الفكر اليوناني ومنطقه على طريقة ابن تيمية . وهاك بعض الشواهد على هذا التمايز : « إن اسم الفعل يقال على العمل في لسان اليونانية » ( ت ، 1193 ، 12 ) . « أما الاسم المعمول المرتجل فهو الاسم الذي يخترعه الشاعر اختراعا ويكون هو أول من استعمله . وهذا غير موجود في أشعار العرب ، وإنما يوجد ذلك في الصنائع الناشئة » ( ش ، 139 ، 2 ) . « لو كان اسم الموجود يدل في كلام العرب على ما يدل عليه الشيء لكان أحق بالدلالة على المقولات العشر من اسم الهوية » ( ت ، 558 ، 1 ) . إن الغوريات الذهنية والفكرية ، ومنهجية التعاطي مع الذات والآخر لدى ابن رشد ، اختلفت من حيث طبيعتها عن تلك التي راجت لدى المتكلّمين وسائر المشائين بطرق التعبير وصياغة البنى والتصوّرات . لذا واجه ابن رشد الفلسفة وروّادها بالعزيمة نفسها التي أجلى فيها معاني كتب أرسطو ومضامينها ، مبيّنا مدى ابتعاد أغلب هؤلاء ، لا سيّما ابن سينا ، عن مراتب البرهان الأرسطي واليقين الفلسفي . فالشيخ الرئيس خرج طوعا عن هذا الخطّ حين تبنّى العرفان والفيض وسيلتين توصلانه إلى معرفة الحقيقة . من هنا انتقد ابن رشد فساد منهجية كل من يتوخّى الوصول إلى الفعل انطلاقا من الفاعل ، واستعمل طريق الاتصال لإدراك الحق الأول . في معرض الكشف عن « الوجه الآخر لحداثة ابن رشد » يتساءل محمد المصباحي : هل يسعفنا ابن رشد في التشريع لحداثة مستقبلية ؟ لا سيّما « أن الحداثة ، يقول ، كانت في الأصل نتيجة قطيعة مع القرون الوسطى وعبرها مع فكر الأوائل » . ويجد أن « الرجوع إلى فكرة الاتصال الرشدية ( بين الحكمة والشريعة مثلا أو بين العقل والمعرفة ) من شأنها أن تلهمنا - بعد تحويلها التحويل الملائم